محمد محمد أبو ليلة

150

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

حيث توجد روايات أخرى في كتب الأحاديث المعتمدة تناقض موضوع هذا الحديث وهكذا فإن ويلش يرفض هذه الروايات ويعتبرها وضعية لأسباب قد توهّمها كما سنبينه . يعوّل الكاتب كثيرا على الاختلاف بين الروايات في حديث " جمع القرآن " ودون بذل أي محاولة أو جهد للجمع بينهما ، أو حتى قراءتها قراءة نقدية في ظل واقع القرآن وحياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وحرص الصحابة الشديد على حفظ كتاب اللّه تعالى ؛ أضف إلى ذلك أن الاختلاف بين هذه الروايات اختلاف ظاهري أو شكلى يمكن إزالته ، على سبيل المثال فإن تفسير الرواية التي أخرجها ابن أبي داود من طريق الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب اللّه ، فقيل كانت مع فلان ، قتل يوم اليمامة ، فقال : إنّا للّه ، وأمر بجمع القرآن ؛ فكان أول من جمعه . قال السيوطي إسناده منقطع ، والمراد بقوله : أول من جمعه ، أي أشار بجمعه « 1 » . ومعنى منقطع الإسناد أي أنه موقوف على التابعي قولا له أو فعلا « 2 » . وليس يطعن ذلك أو غيره في شدة اهتمام المسلمين بجمع القرآن ، أو في أن أبا بكر رضى اللّه عنه كان أول من جمعه في صحف . وكون عمر يسأل عن آية ، معناه أنه كان يعرفها ، وإلا كيف يسأل عنها بالتحديد ، ويجاب عليها بالتحديد كذلك ؛ هذا ما يجب ملاحظته . ويمكن أن يقال أيضا إن سؤال عمر جاء أثناء جمع زيد للقرآن ، حيث كان هو أحد الثلاثة الموكلين بالهمة موضع البحث ، وإن سؤال عمر عن الآية كان من حيث كونها مكتوبة بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم لا غير ، وهذا تفسره الرواية التي أخرجها ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب . قال : قدم عمر ، فقال : " من كان تلقى من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به ؛ وكانوا يكتبون ذلك في الصحف ، والألواح ، والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد له شاهدان " « 3 » .

--> ( 1 ) السيوطي . الإتقان 1 / 166 ، 170 . ( 2 ) السيوطي تدريب الراوي تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف - القاهرة - ج 1 ص 194 . ( 3 ) السيوطي - الإتقان 1 / 166 - 167